آذار/مارس 2019: رسالة ألب أرسلان كويتول إلى الرأي العام من السجن

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي يربّي عباده بكتابه وبنبيه وبالمصائب، ويثبّتهم، ويرفع من يستحق الرفعة ويخفض من يستحق الخفض؛ والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي جاهد ليلًا ونهارًا لتخليص البشرية من الشرك ومن شرّ الأنظمة الظالمة الباطلة، وعلّم الناس الحضارة والعدل، وأقام في ظروف الإمكانات المعدومة أجملَ حضارة في التاريخ؛ والسلام على جميع إخواني الذين يسعون في إحياء حضارتنا المفقودة وإعادة بنائها، ويدافعون عن التوحيد والعدل والحرية والحضارة.
إخواني الكرام! هذه الرسالة، مع أنني في السجن منذ ثلاثة عشر شهرًا، هي الثانية التي أكتبها إلى إخواني في هذه القضية، والأولى التي أكتبها إلى الرأي العام. ولأننا كنا ننتظر الإفراج في كل لحظة لم أكن شديد الرغبة في كتابة الرسائل. وأشكر القائمين على صحيفة "ملّي غازته" لأنهم كانوا سببًا في كتابة هذه الرسالة.
وأودّ أولًا أن أقول: إننا حين نفكر في حال العالم الإسلامي لا تبقى فينا طاقة للتفكير في همّنا الخاص. فالمسلمون متفرّقون، والمسلمون في حال يُرثى لها، والمسلمون تحت ظلم الأنظمة الدكتاتورية والقوى الإمبريالية التي تدعمها. وبعد الحرب العالمية الأولى أقامت الدولُ الكبرى التي مزّقت العالم الإسلامي دكتاتورياتٍ وممالكَ في الشرق الأوسط كله. ولم تُبقِ في هذه الدكتاتوريات عدلًا ولا حرية تعبير. وكانت النتيجة تخلّفًا ماديًّا وحروبًا أهلية.
أما في تركيا، فكما تعلمون تغيّر كثير من الأمور منذ أن ساءت العلاقة بين حكومة حزب العدالة والتنمية وجماعة فتح الله كولن، ومنذ أن بدأت الحرب بينهما بعمليات 17–25 كانون الأول/ديسمبر 2013، وخصوصًا بعد 15 تموز/يوليو. وفي مقدمة ما تغيّر: تضييق مجال نشاط الجماعات الإسلامية، ومنع كثير من الأنشطة كالمؤتمرات، ومحاولة نشر أفكار العداء للجماعات، وإغلاق بيوت الطلاب والمدارس التابعة لكثير من الجماعات، وإغلاق بعض الأوقاف والجمعيات، وتعيين أوصياء على البلديات والشركات والمؤسسات الإعلامية، وإفناء حرية الفكر والتعبير إلى حدّ بعيد، وتوقيف كثير من الأصوات المعارضة بدعوى الدعاية لـ"فتو" أو حزب العمال الكردستاني، ورفع الدعاوى وحبس كثير منهم، وإسكات المعارضة بهذه الطريقة، وعدم عرض كثير منهم على المحكمة إلا بعد سنة أو سنة ونصف، واكتظاظ السجون، واتخاذ إجراءات بحق نصف مليون إنسان، وإشاعة خوف عظيم في المجتمع، وغير ذلك. لقد تغيّرت تركيا كثيرًا في سنتين أو ثلاث. والقوى العميقة المعادية للإسلام وللجماعات تعيش أجمل سنوات عمرها وأسعدها، بل هي في عيد. وظاهرٌ كم أضرّت محاولة انقلاب 15 تموز/يوليو بالأعمال الإسلامية وبالوطن وبالأمة، ومن الذي انتفع بها. ومن أراد أن يعرف من وراء فعلٍ ما فلينظر لمن ينفع ذلك الفعل. فبهذه النظرة وحدها يمكن أن يُرى ما وراء ستار 15 تموز/يوليو، وعندها وحدها يمكن تحديد كل الانقلابيين. غير أن هذا لا يُفعل؛ ولا يُلاحَق أصحاب القوى العميقة الذين حرّضوا الانقلابيين على الانقلاب وأوقعوهم في الفخ، بل تُصوَّر الجماعات كلها كأنها انقلابيون محتملون، وتُقيَّد أنشطتها، ويُعاش بذريعة 15 تموز/يوليو ما هو أشدّ من 28 شباط/فبراير.
والحقيقة أنه يُسعى بهذه الطريقة إلى اقتلاع جذور الجماعات من جهة، وإلى جعل حكومة العدالة والتنمية تقطع الغصن الذي تجلس عليه وتُساق إلى الانهيار من جهة أخرى. فالقوى العميقة المعادية للإسلام تنتقم من الإسلاميين، وتُجري لهم "ضبط توازن"، وتزيد النظام قوة، وتُخجل من قالوا: "زعموا أن 28 شباط سيدوم ألف سنة، فانظروا كيف أنهيناه"، وتُظهر كم أتقنت هندسة المجتمعات.
وبينما تسعى الدولة العميقة من جهة إلى بلوغ أهدافها، تصف حكومةُ العدالة والتنمية من جهة أخرى كلَّ من ينتقدها بأنه إما من "فتو" وإما من حزب العمال الكردستاني، وإن لم تستطع ذلك اتّهمته بالدعاية لهذين التنظيمين وأرسلت آلاف المعارضين إلى الزنازين. ففي نظر حكومة العدالة والتنمية كلُّ من ينتقدها إما عضو في تنظيم إرهابي وإما داعية له وخائن للوطن. وهذه النظرة وهذا الأسلوب يدلّان على أن التوازن والحال النفسية قد اختلّا اختلالًا شديدًا. وإن لم يكن هذا الموقف ناشئًا عن اختلال في التوازن فمعناه أنه يُطبَّق استراتيجيةَ تهديدٍ مقصودة لإخافة منتقدي الحكومة. وكلا الاحتمالين أخطر من الآخر، وكلاهما نذير بأن عاقبة هذا الأمر ستكون سيئة جدًّا.
ومع أنه ليست لنا أدنى علاقة بأي تنظيم إرهابي، ومع أن في الملف المؤلَّف من عشرين ألف صفحة الذي قدّمته النيابة إلى المحكمة تقاريرَ من المديرية العامة للأمن ومن أمن أضنة ومرسين وسكاريا تقول عنّا: "لا صلة لألب أرسلان كويتول ووقف الفرقان بأي تنظيم إرهابي"، فقد نفّذوا علينا عملية بمداهمات فجرية كما يُفعل بالتنظيمات الإرهابية، ثم حبسونا. وكأن ذلك لم يكفِ، فأبقوني في الحبس الانفرادي 312 يومًا وعذّبوني نفسيًّا. والحبس الانفرادي الطويل في الزنزانة إنما يُراد به أحد ثلاثة: إما إفقاد العقل، وإما الترويض والإخضاع، وإما الإذبال. وما لم تأتِ رحمة الله فوقوع أحدها يكاد يكون حتميًّا. غير أن ربّي الذي جعل النار بردًا على إبراهيم عليه السلام جعل نار الزنزانة بردًا عليّ. ولا أدري كيف تمضي لا الأيام بل الأسابيع بل الشهور. بل لا أريد للأيام أن تمضي، وأحاول أن أستثمرها أكثر. فالحمد لله. يقول الأستاذ بديع الزمان: "من عرف الله وأطاعه فهو سعيد وإن كان في زنزانة. ومن نسيه فهو في زنزانة وإن كان في قصر، وهو شقيّ."
وإن تحدثتُ بإيجاز عن السبب الحقيقي لما فُعل بنا، فأسباب ذلك كله في رأيي ثلاثة:
1- صَدْعُنا بعقيدة التوحيد، وقولنا: "في دنيا الله ينبغي أن يكون ما يقوله الله"، ودفاعنا عن الحضارة الإسلامية،
2- انتقادُنا حكومةَ العدالة والتنمية في بعض المسائل،
3- حديثُنا عن الدولة العميقة وعمّا تفعله.
فحكومة العدالة والتنمية انزعجت أكثر من انتقادنا لها، وأما القوى العميقة فانزعجت من الأسباب الثلاثة جميعًا، وأصدروا أمر العملية. مع أننا بعقيدة التوحيد التي انزعجوا منها كنا قد صرنا دولة عالمية. فعقيدة التوحيد التي قوّتنا بالأمس وأوجدت مجتمعًا مطمئنًّا وأقامت حضارة نموذجية تستطيع ذلك اليوم أيضًا. وعقيدة التوحيد هي ألّا يُعترف بإله غير الله، أي بمقامٍ يُطاع غيره، ورفضُ العبودية للعباد، وأخذُ القيم والقوانين من الله. فإذا أخذنا نمط حياتنا وقوانيننا وقيمنا الإنسانية والأخلاقية من الله نشأ مجتمع ودولة أقوياء مطمئنون. لأن قانون الله ونظامه لا خطأ فيهما.
والتوحيد حق. لأن من يملك شيئًا فله حق الحكم عليه. وما دامت الدنيا ومن فيها والناس جميعًا لله، فعلى الناس أن يطيعوا الله، وأن يُقام في دنيا الله نظامٌ على ما يقوله الله. وهذا حق الله. أوَليس من استولى بقوة السلاح على ملك غيره، أو انقلب على حكومة شرعية وحاول انتزاع صلاحيات المنتخَبين بقوة السلاح، غاصبًا؟ فإن كان من ينتزع بالقوة صلاحيةَ الحكم من المنتخَبين انقلابيًّا، أفليس من ينتزع صلاحية الحكم من الله انقلابيًّا؟ إن من يقولون "لا يكون ما يقوله الله بل ما نقوله نحن" غاصبون لحق الله وانقلابيون.
لقد انزعج الذين أقاموا سلطانهم من قولنا "في دنيا الله ينبغي أن يكون ما يقوله الله"، وخافوا أن يهدم التوحيدُ سلطانهم كما هدم في التاريخ سلاطين كثيرة. فسلكوا، كمن اقتفوا أثرهم، سبيل إسكات من يبيّنون قضية التوحيد. ولكنهم لو أسكتوني لما سكتت كتاباتي ومقاطعي، ولو أسكتوا مقاطعي لما سكت طلابي، ولما سكت سائر المسلمين الذين يبيّنون التوحيد، ولو أسكتوهم لما سكت التوحيد. فالتوحيد أشدّ كلمة في الدنيا أثرًا. وهو موافق للعقل وللوجدان معًا. ولا يحتاج إلا أن يُبيَّن بوضوح وشجاعة.
وكما تُذيب الشمسُ تماثيلَ الثلج، تُذيب شمسُ التوحيد كلَّ الأيديولوجيات والأنظمة. ولا يحتاج الأمر إلا أن يطرح المسلمون التوحيد. فما من تمثال جليد تعجز شمس التوحيد عن إذابته. وقضية التوحيد كالمحيط، لا يُقام أمامها سدّ. ومن يصدعون بالتوحيد ولا يسكتون أمام الظلم يكونون أول جماعة تنالها رحمة الله. مثل زهرة الجليد.
والتوحيد حق لأن أعلم الناس بشيء صانعُه. فأعلمُ الخلق بالإنسان هو الله الذي خلقه. ثم إن الله عز وجل يُظهر كل يوم وفي كل مكان لا نهائية علمه وقدرته بما خلق من كائنات بديعة لا تُحصى، وبما أقام من نظام محكم. والله جلّ جلاله يسأل الناس: "أأنتم أعلم أم الله؟" وجواب السؤال معلوم. والمراد: "ما دام الأعلمُ هو الله فأطيعوا الله وحده لا الناس، وعيشوا وفق نظام الحياة الذي أنزله وحده، وإلا فلن تتخلصوا من مشكلاتكم."
ولقولي "في دنيا الله ينبغي أن يكون ما يقوله الله" أدلة أخرى. ولئلا أطيل لن أدخل فيها. وأودّ أن أقف قليلًا على العدل أيضًا. فكما هو معلوم يقول القرآن الكريم: "إن الله يأمر بالعدل". وكما تقوم السماوات والأرض بالعدل وبالقوانين والموازين التي وضعها الله في الطبيعة، كذلك تقوم الدول بالعدل. وينبغي أن تكون أكثر المؤسسات ثقةً في بلد ما مؤسسةَ القضاء. فإذا نزلت الثقة بمؤسسة القضاء إلى 10 أو 20 في المئة فمعنى ذلك أنه لم يبقَ هناك عدل.
وإذا كان القضاة في بلد ما محشورين بين القوانين والتعليمات، أو بين ضمائرهم والتعليمات، فلن يتحقق العدل في ذلك البلد.
وإذا صارت مؤسسة القضاء في بلد ما أداةً لإسكات المعارضة، وتحولت إلى عصا الحكومة، فسيقلّ فيه من يفكر ومن يتكلم، ويموت الفكر شيئًا فشيئًا. ومجتمعٌ لا يقرأ ولا يفكر ولا يُترك ليتكلم محكومٌ عليه بالتأخر. ولا تستطيع أن تشير إلى بلد متقدم لا حرية تعبير فيه. فالدكتاتورية والتخلف رفيقان لا يفترقان. كما في الشرق الأوسط.
ومن أراد أن يكون الناس جميعًا على رأي واحد في كل مسألة فإنما أراد أن يكونوا بهائم. لأن البهائم ليس لها رأي مختلف.
ومن يفرض رأيه على إنسان منحه الله حقّ الاختلاف في الرأي فإنما يرى نفسه أولى بالصلاحية من الله.
وتركُ الظلم حال الضعف لا يدلّ على أن المرء عادل. فالعادل هو من لا يظلم وهو قوي.
إن الحكام لا ينجون في المحكمة الكبرى بصلواتهم بل بعدلهم.
ومن بَعُد عن العدل فقد بَعُد عن القرآن. لأن القرآن عدل.
والذين يضحّون بالعدل من أجل المصالح العليا للدولة سيرون قريبًا أنهم بالظلم إنما ضحّوا بالدولة نفسها. ثم إن المصالح التي تُنال بالظلم مصالح غير مشروعة، لأنها نُيلت بطرق غير مشروعة.
ومن يريدون إسكات الصادعين بالحق جبناءُ يخافون الحق. ولو كان الحكام عادلين لما اضطروا إلى إسكات أهل الفكر. فالحكام العادلون وحدهم لا يخافون حرية التعبير. والحكام العادلون وحدهم يُعصمون من أن يصيروا دكتاتوريين. أما من لا يقيمون العدل فيصيرون دكتاتوريين ليُسكتوا المتكلمين. وفي الحق قدرةٌ ذاتية على الانتشار. ولأن الدكتاتوريين يعلمون هذا يُسكتون قائلي الحق. وفي سبيل إدامة سلطانهم يرضون بإنهاء حرية التعبير وبموت الفكر وبالتخلف.
وإلى جانب هؤلاء من يسكتون أمام هذه المظالم؛ فهم بعدم قول الحقيقة وبعدم الوقوف مع المظلومين لم يحفظوا عزّ الإسلام وشرفه، ونفّروا الناس من الدين الحق. وستكون الأيام الآتية لا للساكتين عن الظلم بل للصادعين بالحق. وكلما سكت المظلومون ازداد الظالمون طغيانًا.
ومن يغمض عينيه ويسدّ أذنيه عن الظلم سيكون جزاؤه من جنس عمله، فلا يُرى ولا يُسمع له في الأيام الآتية.
ومن لا يدافع عن حرياته في زمن قُيّدت فيه الحقوق إلى هذا الحدّ يدفع ثمن ذلك عبوديةً. وما لم يكثر أصحاب الشخصية الذين يصدعون بالحق ويرفضون الباطل فلن تتحول الظلمات إلى نور ولن يكون خلاصنا ممكنًا.
قال جوهر دوداييف: "الوقوف في وجه القوة الظالمة وإلى جانب الحق الضعيف هو إيماني."
وقال علي عزت بيغوفيتش معاتبًا الساكتين: "لن نتذكر كلمات أعدائنا، بل صمت أصدقائنا."
ولا يُنسينّ هذا: من نصر المظلومين نصره الله إذا ظُلم.
ومن سكت أمام الظلم أوقعه الله في الظلم. لأنهم لن يفهموا خطأهم بغير ذلك.
وليست الشهامة أن تقول الحق حيث يسود الحق، بل أن تقوله حيث يسود الباطل.
يقول الكاتب الأفريقي ديزموند توتو: إذا وقفت على الحياد أمام الظلم فقد اخترت جانب الظالم.
فكن إذًا رجل الحقيقة لا رجل القوة! فالأقوياء يسقطون، أما الحقيقة فلا تسقط.
وجزاء السكوت عن الظلم مزيدٌ من الظلم.
ومن يظنون أنهم إن تكلموا أمام المظالم انتهوا، إنما ينتهون بالسكوت.
في بلد العدل يكون الناس أبرياء حتى تثبت إدانتهم، وفي بلد لا عدل فيه يكونون مذنبين حتى يثبتوا براءتهم.
في بلد العدل يُثبت المدّعون الجريمة، وفي بلد لا عدل فيه يُثبت المتهمون براءتهم.
في بلد العدل تكون أدلة الجريمة أولًا، ثم يُعطى المرء حقّ الدفاع عن نفسه، ثم يُحبس إن كان مذنبًا. وفي بلد لا عدل فيه يُحبس المرء أولًا، ثم تُختلق الجريمة، ثم يُعطى حقّ الدفاع. غير أن حق الدفاع هذا يُعطى أحيانًا بعد 6 أشهر، وأحيانًا بعد سنة، وأحيانًا بعد سنتين.
كما فُعل بنا: حبسونا مع أنه لا جريمة ولا دليل يوجب الحبس، ثم أعدّوا بعد ستة أشهر لائحة اتهام قائمة على الافتراء والتناقض والافتراضات، ثم منحونا بعد سنة حقّ الدفاع عن أنفسنا. وقُسّمت لائحة الاتهام إلى ملفين، ولأن كليهما خاوٍ أُفرج عنا في أول جلسة من المحكمتين. ولم يحتمل ساسةٌ معلومون وقوى عميقة معلومة قرارَ الإفراج، فأدخلوا في الخدمة نظامًا عجيبًا من مخلفات حالة الطوارئ. فاعترض المدّعي على قرار الإفراج، فقبلت محكمةٌ أخرى لا تعرف الملف البتّة الاعتراضَ وأمرت بالحبس من جديد، وانتهى الأمر. وما دام من غير الممكن فحص ملف من عشرين ألف صفحة، ولائحة اتهام من مئة وعشرين صفحة، وآلاف الصفحات من محاضر الإفادات في ساعة أو ساعتين، والوصول إلى قرار من غير سماع المتهمين، فلا ينبغي أن يصعب فهم كيف اتُّخذ ذلك القرار.
فقرارُ محكمة الجنايات الرابعة، التي فحصت الملف خمسة أو ستة أشهر وأخذت الإفادات ثلاثة أيام من الصباح إلى المساء ثم أفرجت بعد أن فهمت الموضوع، تستطيع محكمة أخرى لا تعرف الموضوع أن تنقضه في ساعة. والنظام أُقيم هكذا عمدًا. ويبدو أن هذا هو السبيل إلى نقض قرار محكمةٍ لم تحكم، رغم كل الضغوط، بما يريده الأقوياء. وبفضل هذه الوقائع عرفنا النظام الذي أُقيم ومن أقاموه. غير أن الذين يفعلون هذا لا يعلمون فيما يبدو، أو نسوا، حقيقة أن "الكفر قد يدوم، أما الظلم فلا يدوم".
والحقيقة أن إشارة وقوع شيء غير طبيعي أُعطيت منذ اللحظة الأولى بعد الإفراج. فمنذ خروجنا من سجن بولو من النوع F وحتى أضنة لم تنقطع المراقبة اللصيقة لحظة. وعند مدخل أضنة أرادوا منعي حتى من إلقاء التحية على مئات الناس الذين كانوا ينتظرونني في استراحة على الطريق السريع، وهدّدوا بأنهم "سيتدخلون". فقلت: "لا أستطيع أن أمضي من غير أن أسلّم على مئات الإخوة الذين انتظروني ساعات في هذا البرد؛ لقد خرجت من السجن للتوّ، وإن لزم الأمر دخلته من جديد." ثم سمحوا لي بكلمة قصيرة إلى الإخوة المجتمعين في الاستراحة. لكنهم ما إن بدأتُ الكلام حتى اقتربوا منّي ومنعوني بتكرار الإعلان نفسه على مكبر الصوت دون انقطاع.
وبعد كلمة قصيرة في مثل هذه الأجواء، وبينما ركبنا السيارات ومضينا، لم يسمحوا للإخوة بالخروج من الاستراحة والمجيء معنا. ولمنعي من المرور على الإخوة الذين ينتظرونني في مكان آخر (أرض المعارض في أضنة) أغلقوا بالسيارات جميع الطرق المؤدية إلى أرض المعارض. وحين وصلت البيت على هذه الحال رأيت أنهم طوّقوا محيطه بمئات من الشرطة وقوات العمليات الخاصة وسيارات المياه والمدرعات. وحين خرجت إلى شرفة شقتنا في الطابق الأول لأشكر مئات الإخوة الذين استطاعوا رغم كل المنع أن يصلوا إلى أمام البيت، منعوا كلامي مرة أخرى بصفارات سيارات المياه ما إن بدأت.
وقد ذكّرني هذا المنع بما فعله أهل مكة بنبينا. فقد كانوا يضربون الحجارة بعضها ببعض ليمنعوا كلام النبي صلى الله عليه وسلم ويغطّوا على صوته. وحاولوا بأساليب شتى منع كلامه من أن يُسمع. فهل استطاعت تلك الأساليب أن تمنع الحقيقة من أن تُسمع؟ إن من يفعل ذلك إنما يفضح نفسه.
وقد أثبتت هذه الحادثة صدق قولي قبل الإفراج: "ملفاتي ليست ملف جريمة، بل ملف إسكات." فقد أظهر الله عز وجل براءتي للملايين بقرارات الإفراج، وأظهر بهذه الحادثة أنه يُسعى إلى إسكاتي. وفي الكلمة التي ألقيتها بعد الإفراج على مئات الإخوة الذين كانوا ينتظرون عند مدخل المدينة لأنهم مُنعوا من دخول بولو قلت: "حبسوني ليُسكتوني، لكني لن أسكت" — فحبسوني في اليوم التالي من جديد. وبذلك أظهروا للجميع مرة أخرى لماذا حبسوني وما الذي يخافونه. ولا يهمّ: "إن كانت المحاكم للسلطان فالقلوب لنا."
وأقول للذين يتعرّضون لنا:
يا أعدائي المفترين الأذلّاء! اعلموا أن تعرّضكم لنا لا معنى له. فإن كان الله جلّ جلاله يؤيّدنا فلن تقدروا على إيقافنا. وإن كان الله جلّ جلاله لا يؤيّدنا فلا حاجة بكم أصلًا إلى محاولة إيقافنا. لأن ما لا يؤيده الله لا يبلغ غايته. أي أنكم في الحالين تُتعبون أنفسكم عبثًا.
ومهما ظلموا ومهما افتروا فسنظلّ نبيّن حقائق القرآن التي كالألماس وقضية التوحيد حتى الممات. لم نتلبّس بالإرهاب قط، ولن نتلبّس به إن شاء الله. ولم نُذعن لأعداء الإسلام ولن نُذعن. ولم نُطعهم ولن نُطيعهم.
يقول القرآن الكريم: "واصبر وما صبرك إلا بالله ولا تحزن عليهم ولا تكُ في ضيق مما يمكرون". ويقول صلى الله عليه وسلم إن من صبر على ما أصابه من ظلم زاده الله شرفًا. فحتى لو أرادوا الاستفزاز فسنصبر، لكننا مع الصبر سنمضي في المجاهدة.
والأفكار أو المعتقدات لا تحيا ولا تُحيي الجماهير ولا تصير قضيةً إلا إذا عُوني في سبيلها ودُفع ثمنها. والأفكار تنتشر كلما ظُلمت. والقضايا تكبر بقدر ما يُعانى في سبيلها.
يقول مولانا جلال الدين: "حيثما وُجد من يجتهد في ردّ الطاغين إلى الطريق فسيُصيبه كثير من الركلات." فلنرضَ إذًا بهذا.
يقولون لي: "اسكت، ولا تبيّن التوحيد، واصمت عمّا يرتكبون من ظلم." فأجيبهم بقول يوسف عليه السلام: "ربِّ السجنُ أحبُّ إليّ مما يدعونني إليه." فتحمّلي بلاء الزنزانة لأني قلت الحق خيرٌ من تحمّلي ذلّ السكوت أمام الظلم.
وما دام الله من ورائنا فلا يهمّ من أمامنا.
إن الحمل الذي نحمله ذهبٌ وألماس. والذي أعطى هذا الحمل سيعطي قوة حمله.
ولا جدران السجن الإسمنتية ولا قضبانه الحديدية ولا أكاذيب الإعلام وافتراءاته تستطيع أن توقف وصول الحقائق إلى الجماهير.
أيها الظالمون الذين أرسلوني إلى الزنزانة بالافتراءات! بينما أذهب أنا إلى الزنزانة في سبيل الله تذهبون أنتم إلى بيوتكم. تفصلونني عن أهلي وأصحابي، وتلتقون أنتم بأهليكم وأصحابكم. وبينما أرتجف أنا بردًا في زنزانة باردة تعيشون أنتم في بيوتكم الدافئة مرتاحين. وبينما أنا وحدي في الحبس الانفرادي تسامرون أنتم أصدقاءكم. فليكن. ودعوني أجيبكم أولًا بيونس:
"فليكن! فالخالق هو الوليّ
ولا تحسبنّ ما يفعله الظالم ربحًا
فآهةُ المظلوم تُسقط الشاه
ولكل شيء وقتٌ معلوم"
أيها الظالمون! بينما أعيش أنا في الزنزانة عزّةَ المظلومية تعيشون أنتم في الخارج ذلّةَ الظلم. ولن تنالوا أبدًا من الظلم اللذةَ التي أنالها أنا في الزنزانة من المظلومية. وبينما أعيش أنا سعادة الكون مع ربّي تكثّرون أنتم ذنوبكم مع أصدقائكم الزائفين. وأنا أحتمل سجن هذه الدنيا، أما أنتم فلن تحتملوا سجن الآخرة. فحالي إذًا خير من حالكم. وإن كنت أتألم من جهة، فإني من جهة أخرى في مقام الشكر، لأني ممن كانوا سببًا في طرح التوحيد في هذا البلد وفي فهم بعض الناس له، ولأني أترك خلفي جيلًا رائدًا في الخير.
سأظل حتى الممات أقول: "التوحيد، العدل، الحرية، الحضارة".
والسلام على كل المظلومين وعلى كل من ينصر المظلومين. في أمان الله.